بوابة إقليم خريبكة - من مزكيطة إلى سيدي رحال الشاطئ: مسار حياة


0
الرئيسية | أخبار الثقافة و الفن | من مزكيطة إلى سيدي رحال الشاطئ: مسار حياة

من مزكيطة إلى سيدي رحال الشاطئ: مسار حياة

من مزكيطة إلى سيدي رحال الشاطئ: مسار حياة

من مزكيطة إلى سيدي رحال الشاطئ: مسار حياة.  

شكرا لكم جميعا أيها الأحبة..شكرا لكل الذين هنؤوني بمناسبة انتقالي للاشتغال في الدار البيضاء، بعد مدة طويلة جدا في مناطق بعيدة عن مقر سكناي وأخرى نائية، تحملت عبئها صابرا متحملا، معتبرا نفسي جنديا في هذه المهنة النبيلة..
حقا لقد أكسبتني هذه التجربة التي امتدت خمسة وعشرين عاما خبرة ثرة في الحياة، عرفت خلالها المغرب العميق عن كثب، ذلك المغرب غير المنتفع، الذي يساهم في خلق الثروة ولايستفيد منها إلا في الحدود الدنيا جدا.
في نواحي أكدز في إقليم ورزازات سابقا زاكورة حاليا، كانت التجربة جديدة وغريبة عني كليا بكل المقاييس، هناك وجدت نفسي بعد التعيين وجها لوجه مع نهر ينتفض خلال فصل الشتاء فتفيض سيوله، فكنت مضطرا رفقة زملائي لعبوره ونحن عزلاء، إلا من محافظ تلوح فوق رؤوسنا خوفا عليها من البلل، فتصل المياه حتى صدورنا، بل أعناقنا أحيانا، لتبتل أجسادنا في الصباح الباكر تحت رحمة البرد القارس، الذي تتجمد بسببه العظام وتقشعر الأفئدة، نعبر النهر المتدفق مغامرين بحيواتنا من أجل الوصول إلى قاعات الدرس في أعماق الجبال، في مكان من الصعب التكيف معه، خاصة من قبل أناس قضوا حياتهم في المدن، ووجدوا أنفسهم فجأة مرميين في مكان لا خبرة لهم به، ودون دعم مادي أو معنوي من أي جهة، لكننا بحسنا الشعبي والوطني سرعان ما اندمجنا، وتكيفنا مع ظروفنا الجديدة، وفي البال دوما أن هؤلاء الأطفال الذين ندرسهم هم من أبناء جلدتنا، ولا يمكن أبدا أن نتذمر ونشكو أو نلعن الظروف، التي رمتنا هناك، فالواجب يحتم علينا أن نسلحهم ببعض العلم لمواجهة صعوبة الحياة ومخاطرها، فكنا أحيانا تتقطع بنا السبل، خاصة حين يصبح عبور النهر خطرا محدقا بالجميع، ونحن في الضفة الاخرى، ضفة التلاميذ وأهلهم، فنطوي في جحورنا أقد حجرات الدرس جائعين يائسين خائفين من سوء المصير، لكن شهامة أهلنا في تمنوكالت وثلاث وأوفلا كانوا تدفعهم ليتقاسموا معنا الرغيف، ويحضرون لنا في الأماسي الباردة"سكسو" بخضره المحلية اللذيذة، فيخفف علينا ذلك بعض ما نحن فيه، ونستمر على هذا الديدن حتى تخف وطأة حماقة النهر وهيجانه.. تحملت وزملائي كل ذلك عن طيب خاطر، لكن ما كان يدمي قلوبنا بشكل خاص، هو التهميش الذي تعاني منه المنطقة، فلا طريق ولا قنطرة ولا أي مرفق عمومي، فقد كان الأطفال رغم الابتسامة التي لا تفارق وجوههم فقراء بشكل لا يصدق، وكان هؤلاء الأطفال يموتون لأسباب تافهة، فقط لأنهم لم يجدوا بقربهم مستوصف يزرقهم بحقنة بعد أن لسعتهم عقرب أو أي حشرة سامة.. هناك في ذلك المكان الذي لم أسمع باسمه قبل أن أحط الرحال فيه، اكتشفت نبوغ أهل الجنوب ودرعة خصوصا في مادة الرياضيات، فتحسبهم وكأنهم يرضعون الأرقام مع حليب أمهاتهم. وبرضعون معها لطفهم الزائد عن اللزوم.
خمس سنوات عشتها ببردها القارس وحرارتها المفرطة، التي عرفت من خلالها الوجه القاسي للطبيعة الذي لا يرحم، لقد كانت بحق حرارة فوق التصور، ولا أخفي سرا إن قلت إنها حرارة تقهر الطير والحجر، الحيوان والبشر، فلا ترى أثرا لأحد حين تنقدح شعلتها، ولا ينفع معها نسيم أو حفيف.وحدها العقارب والافاعي تعلن عن وجودها المرعب وتغزو المكان كعساكر محتلة. فتفرض سطوتها على الجميع.
هناك رأيت كذلك عن كثب جمال الطبيعة في أبهى حلتها، التي كان رونقها يصيبني بالخرس، خاصة خلال فصل الربيع، فأمكث محملقا مندهشا أمام روعتها الخلابة، فما زالت أشجار اللوز المزهر تمثل في ذهني مكللة ببياضها الناعم وورديها المبهر, أما عن موسم جني التمور في بداية فصل الخريف فحدث ولا حرج، وقد كتبت عن ذلك في بعض قصصي، خاصة في قصة اسمها "اللقاء" التي وظفت فيها شخصيات أحد الأهالي، الذي طالما جالسته واستمعت بعشق لحديثة، وقد كان شيخا عاشقا لبلدته، فكان دوما يردد علي كلاما لا أعرف له سندا، يقول فيه بأن الرسول قال"إن كانت الجنة تحت الأرض فهي تحت "مزكيطة" وإن كانت فوق الأرض فهي فوق "مزكيطة" وبالطبع يقصد بلدته التي تحمل هذا الاسم النادر الجميل، والتي لا اظن أن خطرت للرسول على بال، ولكنه حب الأوطان يخلق الأساطير وتسير بذكره الركبان.
بعد خمس سنوات تيسر لي الانتقال إلى منطقة سيدي رحال الشاطئ، منطقة اتخذت من البحر إلفا أليفا، فأعادتني بكثير من الوهج إلى طفولتي التي قضيتها متاخما للبحر في منطقة قريبة من شاطئ عين الذئاب بالدار البيضاء، فأشعرني كل ذلك بأنني عدت إلى مسقط رأسي ، فقضيت هناك عشرين سنة كاملة ، قطنت سنتين منها بالقرب من المؤسسة، لكن بعد ذلك قررت أن أسكن في الدار البيضاء لأكون قريبا من الكتب والجرائد والمجلات، عشقي الأبدي، وظللت أقطع مسافة سبعين كيلومتر يوميا للذهاب إلى المدرسة والعودة منها، واستغرق ذلك مدة ثماني عشرة سنة، درست خلالها أفواجا كثيرة من التلاميذ منهم من توظف في سلك التعليم وأصبح صديقا لي، ومنهم من اختار طرقا أخرى ، وبين فترة وأخرى يفاجئني أحدهم أو إحداهن بحضور يعيدني القهقرى إلى سنوات مرت، فأبتهج بذلك أيما ابتهاج، خاصة حين يذكرني الزائرة أو الزائرة بالقصائد العربية الجميلة التي كنت سببا في حفظهم لها.
في سيدي رحال الشاطئ، المنطقة التي غزاها البناء العشوائي والمنظم على حد سواء، فأضحت في غفلة من الجميع مركزا حضاريا ما فتئ يتسع ويتسع حتى ابتلع الأراضي الخصبة، التي كانت خضرتها مفخرة للمنطقة، تلعلع في المكان خلال فصلي الشتاء والربيع وقليلا من فصل الصيف مانحة إياه رونقا خاصا.
في هذه المنطقة لعبت كرة القدم رفقة تلاميذي ونظمت لهم رحلات، وعلمتهم كتابة القصص ونشرت لهم نصوصهم في الجرائد، وشارك بعضهم في جوائز وطنية وفاز بها.
هناك تعرفت على أساتذة من شتى الخلفيات السياسية والثقافية، لكنهم يشتركون في حبهم لهذه المهنة وعطائهم المتواصل من أجل تلاميذهم.. 
استوحيت هذه المنطقة في كثير من كتاباتي القصصية والروائية، وكان توظيفها بشكل كبير في رواية "عائشة القديسة" التي اضطربت شخصياتها في منطقة سيدي رحال الشاطئ والدار البيضاء.
بصراحة قضيت أجمل فترات عمري في تلك المنطقة، ولولا بعض ما حدث في السنوات الأخيرة، والذي تجاوزته-رغم كل شيء- بكثير من الأريحية والأمل والتسامح والنظرالإيجابي إلى الأمام، لكانت إقامتي قد طالت هناك أكثر وأكثر.
شكرا مزكيطة شكرا أكدز شكرا سيدي رحال الشاطئ، ولكم كل المحبة أيها الرائعون، أبناء وطني المهمشين الذين يحبون بلدهم رغم كل شيء.
وتحية لكل نساء ورجال التعليم خاصة في الأقاصي النائية، الذين يؤدون دورا كبيرا في فتح أعين أبناء شعبنا على نور المعرفة والطموح لحياة أفضل..

 

عدد القراء : 1060 | قراء اليوم : 1

مجموع المشاهدات: 1060 |  مشاركة في:

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (1 منشور)

السلام عليكم السيد النبيل مصطفى الغتيري .
مزكيطة باهلها تبادلكم الحب والتقدير .
تكتب اليكم هذه السطور والدموع تنهمر من العيون .
تتابع اصداراتكم القيمة .
تتسال من اي بلدة انتم , امن الدار البيضاء ا من الدار البيضاء ام من خريبكة ؟
تحية غالية عالية من صديقكم عبد الرحمان ايت لحساين التمنوكالي الى النخاع .
0671058936
المجموع: 1 | عرض: 1 - 1

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
Powered by Vivvo CMS v4.7