بوابة إقليم خريبكة - لغة الصمت


0
الرئيسية | أراء ومواقف | لغة الصمت

لغة الصمت

لغة الصمت

بقلم الباحث مصطفى العادل

اختلف الباحثون في لغة الجسد، فيما يخص لغة الصمت، فمنهم من يعتبرها جزءا من التواصل غير اللفظي، و منهم من لا يدرجها ضمن هذا النوع الأخير من التواصل، و معظم الكتب التي تناولت دراسة لغة الجسد لم تتطرق إلى لغة الصمت، بل لم تجعل لها و لو جزءا يسيرا ضمن المباحث والقضايا التي تطرقت لها.

والحق أننا إذا تأملنا جليا، سوف ندرك أن للصمت حضورا كبيرا في حياتنا، ووجودا يوميا في علاقاتنا بالآخرين، وإلى اليوم ما نزال نستعمل القول المعروف (السكوت من علامات الرضا)، وهو ما يعطي للصمت طابعا لغويا وتواصليا وإن لم يكن لفظي، حيث يفهم من صمت أحدهم قبوله الشيء ورضاه بما قدم له.

ولعل هذا المثال قد قيل في حالة الزواج كما بلغنا، إذ تكتفي المرأة بالصمت عندما يعرض عليها الزواج لتعبر عن قبولها ورضاها، وهو ما يجعل الصمت بدوره مقيدا بالزمان والمكان والسياق، حيث يختلف معنى الصمت من مكان إلى آخر، ومن زمان إلى آخر، كما يختلف من سياق لآخر.

فإذا كان الصمت في الزواج عند المرأة يعني الرضا، فإنه يعني في سياقات أخرى عدة معان، منها الغضب والحزن واللامبالاة والاستهزاء والتكبر...، وغيرها من الرسائل التي يمكن أن تفهم من الصمت.

عندما نغضب طفلا صغيرا، فإنه يلتزم الصمت، وأحيانا لا يجيبنا مهما كانت أهمية أسئلتنا، وعندما يسأل الأستاذ تلميذا فيصمت فإنه غالبا ما يكون بسبب معرفة الجواب، وعندما يصرخ الأب في وجه ابنه فيصمت فإنه غالبا ما يكون تعبيرا على الخوف أو الاحترام والتقدير...الخ.

كنت قد فكرت في إجراء استجواب في الجامعة ببني ملال حول الصمت ولغته وكيف ينظر إليه مختلف الطلاب، لكني عندما انتبهت إلى مواقع التواصل الاجتماعي وجدت أن كثير من الناس ينشؤون صفحاتهم بهذا الاسم: (الصمت لغتي، لغة الصمت، مواقفي في صمتي، حنين الصمت، أنين الصمت، أمير الصمت، عازفة الصمت، عنواني الصمت، الصمت لغة العظماء، المثقف الصامت، همسات في الصمت...)، فمن خلال هذه الدراسة البسيطة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، يتبين لنا أن الصمت عالم آخر بعيد عما يعيشه الانسان في الواقع.

إن هذا الاستعمال الكبير للصمت، يشير إلى كونه نوعا آخر من اللغة، ويعتبر صورة عاكسة للواقع الانساني حيث يغذوا الصمت لغة كثير من الناس، حتى أنهم قالوا: إذا كان الكلام من فضة فالصمت من ذهب، وقالوا بأن الصامتين إما أنهم يحملون بداخلهم حزنا كبيرا أو حلما كبيرا، وهذا في الحقيقة تعبير بليغ على أهمية الصمت باعتباره لغة أخرى من اللغات، أو بالأحرى من أبلغ اللغات.

عندما أرسل الشيخ الأستاذ عبد السلام ياسين المرشد العام لجماعة العدل والاحسان رسالته الشهيرة (الاسلام أو الطوفان) إلى الملك المغربي الراحل الحسن الثاني رحمه الله، ناصحا إياه بالثوبة العمرية، عبر فيها على ضرورة الإجابة عليها والرد عليها وأخذها بمأخذ الجد من قبل الملك، وأن تجاهلها وعدم الرد عليها، هو بدوره جواب من نوع آخر، وهو ما يؤكد أهمية الصمت وتأثيره لدرجة يصير فيها أبلغ من الكلام.

إن الصمت باعتباره لغة من نوع أخر، بل من أقوى اللغات، لا يمكن التعامل معه بمعزل عن العملية التواصلية، بل من الصعب أن نتجاهله ونحن نميز  بين أنواع التواصل وأشكاله، فالصمت بإمكانه ان يشغل مساحة كبيرة من خانة التواصل غير اللفظي، انطلاقا من اعتباره نقيضا لكل ما هو لفظي، وهو ما يدفعنا لاعتباره من اشكال التواصل غير اللفظي، أو بالأحرى من أرقى أشكالها وأبلغها.

ومما لا شك فيه ان التواصل باللفظ والكلام ابلغ وأبين من الصمت، إذ بإمكان أي كان أن يعبر عما يريده في عبارة واحدة مثل:

- لا تكلمني

لكن الصمت كشكل من اشكال التواصل يبقى غامضا، ويحتاج لاستحضار ومراعاة مجموعة من الاعتبارات كالسياق الذي يأتي فيه الصمت، ومعاني الصمت من ثقافة لأخرى، وإطار الزمكاني كذلك.

إنني قادر على استيعاب الرسالة التواصلية من خلال صمت أحدهم، كما أنني قادر على ارسال الرسائل البليغة الواضحة من خلال صمتي، وهذا كاف لأقول بأن الصمت لغة من نوع آخر، ولعله الغريم الأهم للفظ.

عدد القراء : 1146 | قراء اليوم : 1

مجموع المشاهدات: 1146 |  مشاركة في:

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
Powered by Vivvo CMS v4.7